محمد بن وليد الطرطوشي

223

سراج الملوك

الباب السادس والعشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان ، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطّيلسان ، وحسن الهيئة والكمال : فأكملها وقاعدتها : العفو ، قال الله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] فلما نزلت هذه الآية على النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يا جبريل ما هذا ؟ قال : لا أدري ، حتى أسأل العالم ، فذهب جبريل ثم عاد فقال : يا محمد ، ربّك يقرئك السلام ، ويأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » « 1 » . واعلموا - أرشدكم الله - أن الله تعالى أمر بالعفو ، وندب إليه ، وذكر فضيلته وحث عليه ، ووصف به نفسه ، فقال سبحانه : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] . فأوجب الله تعالى محبته للعافين ، وأثنى عليهم بالإحسان ، فقال : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ الشورى : 43 ] . وعزائم الأمور ، من صفات المصطفين من الرسل ، قال الله تعالى : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] ، وقال سبحانه : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [ الشورى : 37 ] ، وقال سبحانه : وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [ النور : 22 ] ، فاستعطف الخلق ، وندبهم إلى أن يعفوا عن الجناة والظالمين والخاطئين ، كما يحبون أن يفعل الله بهم . وقال فيمن انتصر ولم يعف : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى : 41 ] ، فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ، ولم يوجب له فضيلة . ثم كشف الغطاء ، وأزاح العذر ، وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين

--> ( 1 ) ورد هذا الحديث في « إتحاف السادة المتقين - للزبيدي 318 » ولهذا الحديث ما يعضده ، عن عقبة بن عامر قال : قلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال : ( صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، « وأعرض » وفي رواية « واعف عمن ظلمك » . رواه الإمام أحمد والحاكم ( الترغيب والترهيب ج 3 / 227 ) .